السيد الطباطبائي

36

الإنسان والعقيدة

وبهذا يتّضح ما في بعض الأخبار أنّ للّه ملائكة لم يشعروا أنّ اللّه خلق عالما ولا آدم . وما في أخبار أخر : أنّ الملائكة لمّا عرفوا خطأهم في قولهم لاذوا بالعرش « 1 » ، ثمّ قال سبحانه في موضع آخر من كتابه : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ « 2 » . والمفاتح هو الخزائن أو مفاتيحها ، فعلم آدم إنّما هو علمه سبحانه المحجوب عن الملائكة ، وهذا لا يتحقّق بغير الولاية كما حقّق في محلّه ، فالذي صنعه سبحانه هو أنّه وضع في جبلة آدم الولاية والتخلّق بجميع الأسماء ، والصفات في جميع الأسماء ، وقد حجب عنه الملائكة ولم يصيروا بعد إنباء آدم إيّاهم الأسماء مثل آدم ، وإلّا لم يصحّ الجواب الذي أجاب به سبحانه عنهم ، وهو واضح . ثمّ اعلم أنّه سبحانه لم يذكر قصّة هذه المخاطبة في كتابه ، في أكثر من موضع واحد من سورة البقرة ، بل بدل هذا التفصيل بنحو قوله سبحانه : إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي الآية « 3 » . فيظهر أنّ قوله : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي الآية . يشتمل على إجمال ما يفصّله قوله سبحانه : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ . . . الخ . ويظهر منه حقيقة هذا الروح الذي نفخه سبحانه ، ووجه تخصيصه بنفسه بقوله : مِنْ رُوحِي الآية . ولم يرد في القرآن إضافة الروح إليه سبحانه إلّا في قصّة آدم ، والباقي على غير هذا النحو من الإضافة كقوله سبحانه : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا « 4 » .

--> ( 1 ) تفسير القمّي : 1 / 66 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 59 . ( 3 ) سورة ص : الآيتان 71 و 72 . ( 4 ) سورة مريم : الآية 17 .